25 عام على سقوط طائرة الرئيس الشهيد ياسر عرفات في الصحراء الليبية

4 أبريل

كتب هشام ساق الله – السابع من نيسان ابريل عام 1992 بدا يوم حزين ثم تحول الى يوم فرح وسرور سجل في تاريخ شعبنا الفلسطيني يوم سقطت طائرة الشهيد الرئيس ياسر عرفات في الصحراء الليبيه نتذكر كل شيء مر به هذا الحبيب القائد ونتذكر كل حكاياته لاننا نحبه ونفتقده دائما .

تابعنا الحدث في مكتب اطلس للتوثيق والاعلام المكتب الاعلامي والتنظيمي لحركة فتح في الانتفاضه الاولى حين اتصل الاخ محمد دحلان عضو اللجنه المركزيه المفصول في الاخ مهيب النواتي المعتقل حاليا في السجون السوريه منذ خمس اعوام وطالبه بمتابعة الراديو الصهيوني وكل ما يقال عبر إعلامهم وحينها ساله مهيب ايش في فاجابه طائرة الختيار اختفت وهناك توقع وخوف ان تكون وحدات خاصه من الصهاينه قد اختطفته نريد ان نعرف .

ظل الاخ مهيب يتابع كل قنوات الراديو الصهيوني وينتقل من موجه الى موجه للبحث عن خبر ورد واتصل بعدد من الصحافيين العرب الفلسطينيين الذين يعرفهم وسالهم عن اخبار جديده او حدث تخفيه اسرائيل واتصل فجرا بالاخ محمد دحلان ليبلغه انه لايوجد أي شيء مريب لدى الكيان الصهيوني وانه لم يرد حتى ولو اشاره لهذا الامر وسرعان ما انتشر الخبر عن اختفاء القائد الرمز ياسر عرفات في شوارع غزه واشتعلت اطارات السيارات والكل يترقب منتظرين خبر يوضح ماجرى .

توجهت انا وزملائي بمكتب اطلس صباحا كالعاده واطلعنا الاخ والصديق مهيب عما جرى معه الليله وشكلنا غرفة عمليات لمتابعة الاذاعات الصهيونيه والتلفزيون وكل مايرد بكل وسائل الاعلام منتظرين أي خبر وحضر الى المكتب عدد من كوادر الحركه في القطاع للمتابعه وكنت انا ارد على هاتف المكتب واذا ب الاخ المرحوم القائد زهدي سعيد ابومحمود عضو المجلس الثوري السابق لحركة فتح واحد اعضاء لجنة غزه يتصل ويقول لي بان الرئيس لقوه وهو بخير وعلى الفور بدات اصيح لقوه لقوه لقوه وعيوني تبكي .

اندفع باتجاهي الاخ اسماعيل مطر ابواحمد امين سر المكتب الحركي للمحاسبين وصديقنا الذي تواجد بالمكتب وبدا يقبلني واندفع الى البرنده الخاصه بالمكتب وبدا يصيح لقوا ابوعمار لقوا ابوعمار وخلال دقائق معدوده بدا توزيع الحلويات بشارع الوحده الذي تواجد مكتبنا فيه وصواني البقلاوه وابواق السيارات تنطلق فرحا وطربا وخرج الناس الى الشوارع فرحين مستبشرين بنجاة القائد الشهيد ياسر عرفات .

وانا انقل لكم ماحدث بالضبط بروايه يرويها احد الناجين من الحادث منشره على صفحة مؤسسة ياسر عرفات الاخ المناضل عماد محمد فهمي زكي ندى “أبو زكي مرافق الرئيس ياسرعرفات منذ 1988 وحتى استشهاد الرئيس .

كان سيادة الرئيس ياسرعرفات رحمه الله في زيارة إلى السودان يوم 7/4/1992 والتقى الرئيس السوداني وكان البرنامج معداً للمغادرة في نفس اليوم.

تحركنا إلى المطار وتم تجهيز الطائرة عند عصر ذلك اليوم، وكانت الطائرة من نوع أنطونوف، وهي طائرة جيدة وآمنة .كان الكابتن محمد درويش وغسان إسماعيل ومهندس روماني واثنان من المهندسين الفلسطينيين علي غزلان وخليل الجمل في الطائرة، قال الكابتن درويش : الأجواء سيئة في صحراء السودان في هذا الوقت من السنة، و أتمنى أن يأتي الرئيس باكراً قبل أن يزداد سوء االحالة الجوية أكثر.

وصل الرئيس إلى الطائرة قبل الغروب بقليل ، أقلعت الطائرة بعد صعود الرئيس، وكانت الوجهة الى الكفرة في صحراء ليبيا للنزول هناك والتزود بالوقود لمواصلة الرحلة بعد ذلك الى مقر المنظمة في تونس .

عند الوصول إلى مطار الكفرة هبت زوابع رملية قوية جداً فوق المطار، ولم نتمكن من رؤية المطار، وأخذ الطيار يدور بالطائرة حول المطار، وكان يطلع الرئيس ياسر عرفات على الأحوال أولاً بأول، وبقيت الطائرة تدور حول المطار لمدة ربع ساعة تقريباً لم يتمكن خلالها الطيار من رؤية المدرج والمطار بسبب الزوابع الرملية، وسأل الرئيس أين أقرب مطار فقالوا له يوجد مطار عسكري في “السارة” …. وهو مطار نهاري وأن طائرة تهبط فيه كل يوم ثلاثاء في كل أسبوع لاحضار التموين للقوات الفلسطينية التي كانت موجودة في معسكر هناك، والمطار معد فقط لاستقبال طائرات عسكرية وفي النهار فقط ولا توجد فيه إنارة.

فقال الرئيس عرفات للطيار: توكل على الله وتوجه إلى مطار السارة وكان الطيار على اتصال مع برج المراقبة في مطار الكفرة الليبي، وأطلعهم على عزمه التوجه إلى “السارة”، لكن لسوء الحظ وصلنا منطقة “السارة” وقد حل الظلام وكانت الزوابع الرملية قد وصلت المنطقة ،ولم تكن هناك إمكانية لرؤية الأرض… كان الطياران على اتصال مع برج المراقبة في المطار واستعدا للقيام بعملية هبوط اضطراري وأعلمانا بذلك.

تفاصيل في داخل الطائرة

وهنا أشير إلى أن الطائرة تتسع لنحو 50 راكباً، في المقدمة كابينة الطيارين، وخلفها قسم للحقائب والعفش، ثم قسم الركاب وفي ذيل الطائرة في نهايتها كان جناح الرئيس ,ويضم مكتبا، هوعبارة عن طاولة تحيط بها أربعة كراسي ،وعلى يمينها سرير خشبي وحمام صغير “تواليت” في الخلف وبعض الاحتياجات والأدوات اللازمة للطائرة للصيانة.

كان الكابتن قد طلب من جميع المتواجدين الجلوس قرب الشبابيك لمساعدته إن لمح أي منا اي ضوء لإخباره ،وكان المهندسان الفلسطينيان يتنقلان بين الطيارين والمرافقين وكان سكرتير الرئيس ماهر مشيعل يتنقل بين الرئيس والطيارين.

وكان كابتن الطائرة قد طلب من برج امراقبة في مطار السارة وضع سيارات وإشعال أضوائها حول مدرج المطار للمساعدة على رؤيته ولكن الزوبعة الرملية كانت شديدة جداً ولم تتح رؤية شيء، وقد أخبرنا في وقت لاحق بأن المنطقة لم تشهد مثيلاً لتلك الزوبعة الرملية منذ نحو 50 سنة، وحتى على الأرض اخبرونا في وقت لاحق بأنهم لم يكونوا قادرين على الرؤية لأبعد من مسافة أمتار قليلة.

وأخبرنا المهندس خليل الجمل بأننا بدأنا عملية الهبوط الاضطراري وأننا نقترب من سطح الأرض، وطلب منا ربط أحزمة الأمان.

كان الرئيس جالساً في مقعده، وكان يجلس بجانبه الأخ فتحي البحرية.

كنت جالساً في أول كرسي من الجهة اليمنى بعد جناح الرئيس وقرب باب الطوارئ، وقال لي المهندس خليل أنه في حال الهبوط الاضطراري ، واذا تضررت الطائرة، عليك أن تفتح باب الطوارئ وترميه خارجاً وأن تقوم بإنزال الرئيس فوراً منه.

سقطنا…أين اختفى الرئيس ؟

وفي تلك اللحظة ـ وكان المهندس واقفاً قرب الشباك ـ لمحت غباراً أو رمالاً متطايرة، وأردت أن أتكلم لكن في نفس تلك اللحظة اصطدمنا بالأرض وكانت الصدمات قوية جداً، وضرب رأسي بزجاج الشباك، اصطدمت الطائرة بالأرض، وابتعدت مسافة… بعد توقف الطائرة فتحت باب الطوارئ ورميته كما طلب مني المهندس خليل، وعدت إلى جناح الرئيس وتفاجأت بأن كرسي الرئيس نفسه لم يكن موجوداً واستغربت… أين ذهب؟ رغم وجود قاطع خشبي يفصل جناح الرئيس عن قسم الركاب، قفزت من الشباك (باب الطوارئ) ووجدت كرسيين مقلوبين خارج الطائرة، وفيهما حركة، وجدت الرئيس وفتحي البحرية وكانا قد ربطا حزامي الأمان في الكرسيين، ولا أدري أية معجزة قذفت بالكرسيين بهذا الشكل خارج الطائرة، وكانت النار قد بدأت تشتعل في مقدمة الطائرة من جهة اليسار، جهة الكابتن.

وخشية حدوث انفجار قمت وآخرين بحمل الرئيس وركضنا مبتعدين عن الطائرة، جاء الأخ عبد الرحيم حسين مرافق الرئيس ومحمد الرواس مصور الرئيس، وقلت لعبد الرحيم هيا بنا لنقوم بإطفاء النيران في الطائرة، وقلنا للأخ فتحي أن يبقى مع الرئيس وذهبنا …..إلى الطائرة لمكافحة النيران ومحاولة إطفائها.

كان الحريق صغيراً ولم يكن هناك وقود كثير في الطائرة، سيطرنا على الحريق وأطفأنا النار، وكنا قد أبعدنا الرئيس نحو 50 متراً عن الجهة اليمنى للطائرة.

في تلك اللحظة خرج الإخوان الذين كانوا في الطائرة، كان الكابتن غسان إسماعيل ومحمد درويش والمهندس الروماني أحياء لكنهم كانوا مصابين يتألمون وغير قادرين على الكلام، وكان في الكابينة أيضاً ماهر مشيعل وعلي غزلان.

بعد إطفاء النيران توجهنا إلى الرئيس، ووجدنا الأخ خلدون (من المرافقين) الذي توفي فيما بعد وكان أيضاً احمد جميل عنده.

خفت الزوبعة الرملية لفترة قصيرة وأمر الرئيس بتفقد أحوال الجميع كانت الحقائب متناثرة حول الطائرة ولاحظنا وجود فتحة كبيرة في الجهة اليمنى من الطائرة، بعد منطقة باب الطوارئ.

وطلب الرئيس أن يتجمع كل من كان على الطائرة في موقع واضح، وأن نتوجه إلى الطائرة للاحتماء من الزوبعة المتجددة، حاولنا فتح الباب الذي كان يستخدمه الرئيس للصعود والنزول من الطائرة، لم يفتح ،وقال المهندس خليل أن هناك باباً آخراً في ذيل الطائرة للصيانة، ودخلنا من الفتحة الجانبية في يمين الطائرة وقمنا بإنزال العجلات والأدوات والأغراض التي كانت موجودة في منطقة ذيل الطائرة ،وفتحنا باب الصيانة لإدخال الرئيس، وفعلاً دخل الرئيس وبقية الشباب، وكانت العواصف الرملية قد بدأت بالاشتداد مجدداً، تذكرت حقائب الرئيس ووجدتها وحملتها وعدت إلى الطائرة، ولدى عودتي لم أرى الطائرة بسبب شدة الزوابع وكثافتها، مع أن المسافة لم تكن أكثر من 20 متراً.

ومشيت ببطئ وهدوء محاولاً عدم الانحراف حتى لا أضيع وأجد نفسي وسط الصحراء بعيداً عن الطائرة، ثم لمحت الطائرة وصعدت إليها مع حقائب الرئيس.

“لوكس” الرئيس

كان الرئيس يضع دائماً في إحدى حقائبه مصباحاً يدوياً “لوكس” وكان أيضاً في جيبه مصباح يدوي صغير آخر.

كانت الاتصالات قد انقطعت وتعطلت الأجهزة، استشهد الكابتن غسان إسماعيل، وكان ماهر مشيعل وعلي غزلان مصابين ولكنهما كانا قادرين على الكلام ،وكان محمد درويش يتألم ولا يستطيع التحدث، حاولت مع الأخ عبد الرحيم سحبه من الكابينة، كانت إصابته صعبة جداً، كان جسمه عالقاً، ولم نكن نرى كل شيء فكنا كلما سحبناه قليلاً من موقعه في الكابينة المتحطمة زاد ألمه.

كانت الكابينة قد أطبقت على الموجودين داخلها ولم يكن بالإمكان إخراج أي إنسان منها، كان جهاد الغول أيضاً عالقاً بين الكراسي في منطقة وسط الطائرة، حاولنا إخراجه ولم نستطع.

وكان الرئيس يحمل أيضاً في حقيبته أدوية ومواد إسعاف أولي، وكان في الطائرة حقيبة إسعاف أولي، كانت الإصابات بين الموجودين متفاوتة.

تفقد الرئيس الشباب واطلع على إصابة كل واحد منهم، كان الرئيس مصاباً بجرح في رأسه، ولم يكن جرحه ينزف، واصيب ايضا محمد الرواس و فتحي البحرية و خليل الجمل وخلدون وأحمد جميل.

أخف الإصابات كانت إصابة الرئيس ياسر عرفات واصابات عبد الرحيم ولي وفتحي الليبي (غير فتحي البحرية) ..وكنا نتحرك نحاول المساعدة.

الرئيس يطلب الاستعداد لـ”الصمود” طويلا …

كان حادث السقوط قد وقع نحو الساعة 45,7مساء يوم 7/4/1992. وبقينا في نفس الموقع حتى الساعة التاسعة والنصف صباح اليوم التالي .وخلال الليل وساعات الفجر الاولى جلسنا جميعاً في ذيل الطائرة، سألني الرئيس عن المتوفر من ماء وطعام وإمكانيات البقاء لأطول فترة ممكنة، وكان الموجود أجبان وألبان وبعض الفواكه والماء والعصير، وطلب تجميع ذلك كله في منطقة واحدة لحصره والاستفادة منه للجميع لأطول فترة ممكنة، ووجه الجميع لترشيد استخدام الماء.

وتحدث الرئيس عن البدء بالتفكير في إمكانيات البقاء لأطول فترة ممكنة لأننا سقطنا في الصحراء، وقال انه قد لا يتم العثور علينا بسرعة، وان الوضع ليس سهلاً.لكنه كان دائما يقول لنا : يجب أن نكون أقوى مما نحن فيه.

كان الرواس قد تذكر أن طائرة نقل عسكرية تهبط كل ثلاثاء في مطار السارة محملة بالمؤن للقوات الفلسطينية الموجودة في معسكر خاص بها في السارة.وكان “سقوطنا” قد حدث مساء يوم الاثنين.

فقال الرئيس: في الصباح يجب إشعال النيران في العجلات الإضافية الموجودة في الطائرة لمساعدة الباحثين عنا.

كان الرئيس متأكداً بأن عمليات البحث جارية، وأراد المساعدة بإشعال الإطارات لأن العاصفة الرملية لم تكن قد هدأت، وكانت الرؤية ما تزال محدودة.

وبقينا نتحدث مع الرئيس حتى الصباح… وعند طلوع الفجر خفت حدة الهواء والرياح رغم استمرار البرد القارس، وأخرجنا عجلين، ووضعنا في داخلهما أوراق مما تبعثر حول الطائرة وأحضرنا الخشب المتوافر من الطائرة ،واستخدمنا زيوتاً من المتوفرة في الطائرة ،وأشعلنا النيران في العجلين عند الساعة السادسة صباحاً تقريباً.

ثم هبت رياح قوية أدت إلى الإسراع في اشتعال العجلين ثم في اخماد نيرانهما.

قال الرئيس: يجب أن نفكر في كيفية البقاء في هذه الصحراء، وكان قد أشار إلى أنه لمح عصفوراً في المنطقة، وقال : إذا كان العصفور موجوداً فإن ذلك يعني وجود حياة أن الماء موجود أيضاً، وأنه لا بد أن نفكر في كيفية الحفر للوصول إلى الماء.

بعد بزوغ الفجر وتحسن الرؤية بعد طلوع الشمس أخرجنا جهاد الغول من بين الحديد والكراسي وكان محمد درويش قد استشهد مع الفجر تقريباً.

تعاونت مع عبد الرحيم في عمل مظلة للرئيس عند باب الطائرة في الخارج وجلس الرئيس في ظلالها ووضعنا الكراسي.

ثم تمكنا من إخراج صندوق العدة من منطقة ذيل الطائرة ووجدنا “عتلة حديدية” ومطرقة وبعض الأدوات التي يمكن استخدامها لاخراج المحشورين داخل الكابينة.

كان الخمسة في داخل كابينة القيادة فوق بعضهم البعض، راينا في مقدمتهم ” من جهتنا” المهندس علي غزلان ثم ماهر مشيعل وهو بدين، فتحنا فتحة في قمرة القيادة وبدأنا بإخراج علي غزلان، لمح الشباب في ذلك الوقت نقاط سوداء بعيدة، وقال الرئيس يبدو أن هناك من هو قادم باتجاهنا، وبدأت النقاط السوداء تكبر شيئاً فشيئاً، ثم اقتربت لتظهر من بعيد مجموعة من السيارات، جهز الرئيس مسدسه، وأخذ الجميع وضعية الاستعداد للقتال، ثم اتضح لنا ان القادمين ليسوا “أعداء” وإنما كانوا من قوات الثورة الفلسطينية، وكان العقيد خالد سلطان قائد القوات الفلسطينية في معسكر السارة على رأس المجموعة ومعه اثنين من الدلالين الليبيين، وهما من الخبراء في الصحراء وفي مواقعها وفي كيفية التنقل فيها، كان هناك نحو 10 سيارات جيب عسكرية (لاند روفر)، وفور وصولهم قام العقيد خالد سلطان بتهنئة الرئيس بالسلامة ودعاه للصعود إلى إحدى السيارات، لكن الرئيس قال: لا… اذهبوا واخرجوا جثامين الشهداء… واجمعوا كل ما هو موجود داخل وحول الطائرة، وكذلك الصندوق الأسود، وبعد ذلك سنتوجه إلى المعسكر.

وفعلاً بعد تجميع كل “الموجودات” ونقل الجثث إلى السيارات توجهنا نحو معسكر السارة الذي كان يبعد 140 كيلو متراً عن موقع سقوط الطائرة.

كان الدلالان الليبيان قد وضعا علامات في طريق مجيئهم نحو الطائرة حتى تستخدم نفس الطريق في العودة خشية الوقوع في حقول الألغام التي كانت موجودة في تلك الصحراء الحدودية.

وصلنا معسكر السارة وكانت سيارات الإسعاف تنتظر، ومن هناك اتصل الرئيس مع الأخ فاروق القدومي ـ وكان اعضاء القيادة مجتمعين في تونس يتابعون التقارير عن اختفاء طائرة الرئيس – وطمأنه على وضعه، وبعد ذلك وصلت طائرة إسعافات عسكرية خاصة، وقاموا بتحميل الرئيس على حمالة إسعاف رغم أنه كان قادراً على السير. وصعدنا جميعاً إلى الطائرة التي توجهت إلى بنغازي، وبعدها نقل الرئيس والآخرون إلى المستشفى.

وجاء الرئيس معمر القذافي مساء ذلك اليوم وزاره للاطمئنان على صحته، وفي اليوم التالي خرجنا من المستشفى وتوجهنا بمعية الرئيس إلى قصر الضيافة في بنغازي، وكان الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قد أخبر الرئيس بأنه يريد إعداد استقبال رسمي وشعبي له، لذلك تأجلت عودتنا إلى تونس مدة يوم.

وتوجهنا مع الرئيس بطائرة ليبية إلى تونس حيث لقي استقبالاً رسمياً وشعبياً حاشداً يتقدمه الرئيس التونسي في مطار قرطاج.

كيف سقطت الطائرة؟

وعندما قامت القوة الجوية الفلسطينية لاحقاً بأمر من الرئيس ياسر عرفات بدراسة تفاصيل الحادث، استنتج الخبراء أن الطائرة أثناء الهبوط الاضطراري بدون عجلات وعندما اصطدمت بالأرض حدث الاصطدام فقط بين مقدمة الطائرة والأرض، فارتفعت الطائرة.. كان جناح الطائرة سليماً فاستنتجوا إن الطائرة ارتفعت مسافة أكبر من طول الجناح البالغ 40,10م وانكسر المفتاح الذي يمسك بالعجل الأمين… فتحرك العجل وارتفعت الطائرة أكثر من 40,10 ، وحدثت الصدمة الثانية، اكتشف الخبراء أن المسافة بين الصدمتين كانت( 1700 متر)، أي أن الطائرة بقيت في “الجو” بعد الارتطام. المسافة مدة قطعت خلالها مسافة( 1700 متر) لتسقط ثانية، وتصطدم لترتفع مرة أخرى مبتعدة مسافة مماثلة تقريباً) 1700متر (ولأن العجل اليمين كان نازلاً ومع هذه الصدمة الثانية دارت الطائرة نحو 180 ْ ليصبح الجناح الأيمن في الجهة اليسرى ،مما سبب تمزقاً في هيكل الطائرة، وهذا ما يفسر حدوث الفتحة الكبيرة التي قذف مقعد ومرافقه فتحي البحرية خارجها، واحتكت الطائرة بعد السقطة الثالثة لمسافة نحو 300 متر توقفت بعدها وقوفاً تاماً.وقد انتشرت قطع وموجودات الطائرة في تلك المنطقة.

وقال الدلال الليبي أننا كنا قريبين جداً من منطقة حقل ألغام، ولكن بفضل الله لم تصلوا إلى الألغام، واتضح أن الطائرة عند سقوطها كانت تبعد مسافة جوية تقارب بـ 70 كيلومتراً.

واستشهد ثلاثة فقط ممن كانوا على متن الطائرة وهم: الطياران محمد درويش وغسان إسماعيل والمهندس الروماني.

المنطقة التي انقطع الاتصال فيها تسمى “وادي جفف الصغير” وقد حددها الدلالان على الخريطة بعد تحديد زمن انقطاع الاتصال وتقدير الأبعاد.

وكانت فرق البحث تتقدم من منطقة معسكر السارة باتجاه “وادي جفف الصغير”، وكانوا يستخدمون المناظير المكبرة في عمل مسح متتالي للمناطق التي يمرون منها حتى لمحوا “نقطة سوداء”، تأكدوا بعدها أنها طائرة الرئيس فتقدموا نحوها.

أثناء عودتنا من موقع السقوط نحو معسكر السارة لاحظت طائرات مروحية وأيضاً سيارات يبدو أنها كانت تبحث عنا.

اعتبره حادثاً عادياً، ولكن الحمد لله أن نجونا، فقد كان الرئيس معرضاً باستمرار لعدة حوادث وكثيراً ما حدثت أعطال في “طائرة الرئيس” في الجو، وأحياناً كنا نجابه رياحاً قوية ومطبات هوائية ، ولكن لم”نلامس الموت” الا في حادث سقوط الطائرة في الصحراء الليبية.

رباطة جأش وهدوء في مواجهة الصعاب

كان الرئيس هادئاً جداً بعد أن عثرت عليه في خارج الطائرة، وبعد ان ساعدناه على الوقوف بدا يتحرك فورا واخذ يسعف بيده ويتفقد الجميع ولا يمل من مواصلة الاطمئنان على الجميع.

ومن الغريب أن الرئيس استدعى الطيارين غسان إسماعيل ومحمد درويش قبل سفرنا من تونس إلى السودان، وتصورا معه صوراً تذكارية، وكتب بخطه كلمات عن الشهيدين على تلك الصور التذكارية بعد الحادث.

واثناء الحادث وبعده لم يخطر ببال الرئيس أبداً احتمال ترك وصية أو الحديث كأنه قد يموت في تلك الحادثة ،وكان وكنا نحمد الله أننا نجونا من موت محقق.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: